الإقتصاد السوداني بين مطرقة "الجن"… وسندان "الإستغفار"!!
إبراهيم الكرسني
فى مثل هذه الأيام من العام الماضي بشرنا وزير المالية بأن إنفصال الجنوب لن يكون له أي آثار سالبة على أداء الإقتصاد السوداني، أو على موازنته السنوية. بل ذهب سيادته أبعد من ذلك ليؤكد لنا بأن إنفصال الجنوب سيقع بردا وسلاما على إقتصاد السودان وشعبه، لأن ما كان يصرف على الحرب، أو ما كان يذهب دعما لإقتصاد الجنوب، سوف يوجه الى تنمية إقتصاد ما تبقى من الوطن وتحسين الوضع المعيشي لأبناء شعبه.
وبعد مرور تسعة أشهر فقط من إنفصال الجنوب يأتي نفس هذا الوزير ليقول لنا، ومن تحت قبة برلمان دولة الفساد والإستبداد، بأن الميزانية تواجه عجزا يقارب الثلاثة مليار جنيه (بالجديد) نتيجة لإنفصال الجنوب وجفاف المصادر المالية من تصدير البترول، وكذلك عدم الإتفاق على رسوم مرور بترول الجنوب عبر أنابيب دولة الشمال الى ميناء التصدير…فتأمل!
لقد بدأ يساورني شك حقيقي حول قدرة هذا الوزير بالذات على فهم مبادئ علم الإقتصاد،بشقيه النظرى والتطبيقي، حتى وإن إفترضنا أنه يحمل شهادة من كلية لندن للإقتصاد، لإنه قد أثبت بالتجربة العملية إنه يصلح كأفضل نموذج لمن أطلقت عليهم فى مقالات سابقة "قيادات الجهل المسلح بالشهادات".
والآن إليكم الدليل على جهل هذا الوزير بمبادئ علم الإقتصاد، وبالأخص مبادئ إقتصاديات المالية العامة. لو طلب من أي طالب جامعي، وهو يحبو على عتبة التخصص فى علم الإقتصاد البحت، أن يعرف لنا ميزانية أي دولة فى العالم لأجابك على الفور على أنها،"بيان تقديري مفصل يحتوي على الإيرادات العامة التى يتوقع أن تحصلها الدولة، والنفقات العامة التى يلزم إنفاقها خلال سنة مالية قادمة". وهي بهذا المعني "تعتبر بمثابة البرنامج المالي للخطة عن سنة مالية مقبلة من أجل تحقيق أهداف محددة فى إطار الخطة العامة للتنمية الإقتصادية والإجتماعية للدولة".
ثم سيضيف لك هذا الطالب النجيب بأن الميزنية تعني فى الواقع ما يلي:
1- ميزانية الدولة عبارة عن قائمة أو بيان بإيرادات الدولة ومصروفاتها
2- ميزانية الدولة تقديرية وليست فعلية
3- تتعلق بفترة زمنية محددة تكون عادة سنة، و
4- تكون معتمدة من قبل السلطة التشريعية فى البلاد.
ثم لن ينسي هذا الطالب النجيب بأن يذكر لك شرطا هاما لإعداد الميزانية السنوية للدولة وهو وجوب إعدادها وفقا لمجموعة إفتراضات واقعية تكون مستمدة من التجربة العملية لأداء موازنات الدولة السابقة عبر سلسلة زمنية محددة، حتى تكون عملية ومتوازنة. وأخيرا سيقول لك هذا الطالب النجيب بأنه يجب إعداد أكثر من سيناريو واحد للميزانية، على أن يكون أحدها أسوأ سيناريو متوقع، ويمكن تنفيذه حال تعثر أداء السيناريو الأفضل الذى تم إعتماده.
إذا كان هذا هو رأي طالب كلية الإقتصاد فى منهجية إعداد الميزانية العامة للدولة، فما رأي السيد وزير المالية، خريج كلية الإقتصاد، وصاحب الخبرة فى شؤون الحكم والإدارة التى تعادل عمر هذا الطالب. إن السيد الوزير قد تجاهل عمدا جميع المفاهيم المتعارف عليها فى إعداده لموازنة العام الماضي، حيث أنه لم يبني موازنته على إفتراضات واقعية أوسليمة فقط، لكن الأسوأ من ذلك إنه قد تجاهل الواقع الماثل أمامه لتركيبة الإقتصاد السوداني.
لقد كان السيد الوزير يعلم يقينا بأن إنفصال الجنوب قد أصبح واقعا معاشا بحكم نتيجة الإستفتاء الذى أجري فى يناير من نفس عام إعداد الميزانية. وقد كان يعلم تماما كذلك بأن موارد البترول، التى تشكل حوالي 70% من موارده المحلية، وحوالي 90% من موارد عملته الصعبة، سوف تذهب الى دولة الجنوب الوليدة، التى سعى جاهدا، هو وأفراد عصابته الحاكمة لقيامها، ولن يكون له مصدر إيرادات أخرى سوى جلد ظهر الشعب بسياط الضرائب والرسوم، لأن دولته الرسالية قد حطمت القاعدة والمشاريع الإنتاجية التى كانت تدر دخلا محترما للدولة، ويعيش من خلالها مئات الآلاف من الأسر، ويأتي فى مقدمتها مشروع الجزيرة التى كانت خضراء فى أزمان غابرة قبل مجئ عهدهم الظلامي البائس.
ولكن المدهش حقا أن يأتي لنا السيد الوزير ل






















